ونسبة ابن تيمية إلى التجسيم ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1/169) حين قال: ((افترق الناس فيه ـ أي ابن تيمية ـ شيعاً فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك كقوله إن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله, وأنّه مستو على العرش بذاته, فقيل له يلزم من ذلك التحيز والانقسام، فقال أنا لا أسلم أن التحيز والانقسام من خواص الأجسام فألزم بأنه يقول بتحيز في ذات الله...)).
أيضاً قال ابن الوردي في (تتمة المختصر 2/363): ((استدعي الشيخ ـ يريد ابن تيمية ـ إلى مصر, وعقد له مجلس, واعتقل بما نسب إليه من التجسيم)).
وجاء في (تاريخ أبي الفداء/ حوادث سنة 705): ((وفيها استدعي تقي الدين أحمد بن تيمية من دمشق إلى مصر وعقد له مجلس وأمسك وأودع الاعتقال بسبب عقيدته فإنه كان يقول بالتجسيم)).
وعن اليافعي في (مرآة الجنان ج 4 ص 240) عند ذكره لحوادث سنة 705 وما جرى فيها لابن تيمية: ((وكان الذي ادعى به عليه ـ أي على ابن تيمية ـ بمصر أنه يقول أن الرحمن على العرش استوى حقيقة, وأنه يتكلم بحرف وصوت ثم نودي بدمشق وغيرها من كان على عقيدة ابن تيمية حلَّ ماله ودمه)).
وعلى أية حال, كلام ابن تيمية في التجسيم يقسم على أربعة أبعاد, وهي كما يلي:
1 . إسناد المكان والجهة إلى الله تعالى.
2 . زعمه أن الحوادث تقوم بالله سبحانه.
2. زعمه أن كلام الله تعالى بصوت وحرف.
4. كلامه في مسألة الجسم.
البعد الأول: قال ابن تيمية في (الرسائل التدمرية 42), وتحت عنوان: تنازع الناس في الجهة والتحيز: ((.. وقد علم أنَّ ما ثم موجود إلاّ الخالق والمخلوق, والخالق مباين للمخلوق سبحانه وتعالى, ليس في مخلوقاته شيء من ذاته, ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفي: أتريد بالجهة ما وراء العالم, فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات. ويقال لمن قال: الله في جهة: أتريد بذلك: أن الله فوق العالم, أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات, فإن أردت الأول فهو حق, وإن أردت الثاني فهو باطل, وكذلك لفظ التحيز .. إلى آخر كلامه)).
وجاء في كتاب (بيان تلبيس الجهمية ج 1 ص 111): ((والبارئ سبحانه وتعالى فوق العالم فوقية حقيقية ليست فوقية الرتبة, كما أن التقدم على الشيء قد يقال إنه بمجرد الرتبة كما يكون بالمكان مثل تقدم العالم على الجاهل وتقدم الإمام على المأموم فتقدم الله على العالم ليس بمجرد ذلك بل هو قبله حقيقة فكذلك العلو على العالم قد يقال إنه يكون بمجرد الرتبة كما يقال العالم فوق الجاهل, وعلو الله على العالم ليس بمجرد ذلك بل هو عالم عليه علواً حقيقياً وهو العلو المعروف والتقدم المعروف)).
قال الكوثري في تعليقه على هذا النص: ((.. فهل يشك عاقل أن ابن تيمية يريد بذلك الفوقية الحسية والعلو الحسي ـ تعالى الله عما يؤفكون ـ واستعمال العلو ومشتقاته في اللغة العربية بمعنى علو الشأن في غاية الشهرة رغم تقول المجسمة)) (الرد على النونية: 87).
ويقول ابن تيمية في كتاب (العرش): ((إن الله يجلس على الكرسي , وقد أخلى منه مكاناً يقعد فيه معه رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
قال الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 1/106): ((قال السبكي: وكتاب العرش من أقبح كتبه, ولما وقف عليه الشيخ أبو حيان ما زال يلعنه حتى مات, بعد أن كان يعظمه)).
وقد ذكر هذا الكتاب ـ أي كتاب العرش ـ صاحب (كشف الظنون) الذي جمع أسماء الكتب ومصنفيها, حيث قال: ((كتاب العرش وصفته.. لابن تيمية ذكر فيه أن الله تعالى يجلس على الكرسي وقد أخلي مكاناً يقعد معه فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذكره أبوحيان في النهر في قوله سبحانه وتعالى وسع كرسيّه السماوات: وقال في كتاب العرش لأحمد بن تيمية ما صورته بخطه)) .
وقفة قصيرة لبيان تناقضات ابن تيمية
وكيفما كان, فقد حكم ابن تيمية بكفر وضلالة من خالفه في رأيه المتقدم في الجهة والحيز حيث قال: ((.. وأما قولهم الذي نطلب منه أن يعتقده أن ينفي عن الله التحيز, فالجواب من وجوه, أحدها: أن هذا اللفظ ومعناه الذي أرادوه ليس هو في شيء من كتب الله المنزلة من عنده, ولا هو مأثور عن أحد من أنبياء الله ورسله ولا خاتم المرسلين ولا غيره, ولا هو أيضاً محفوظاً عن أحد من سلف الامة وأئمتها أصلاً, وإذا كان بهذه المثابة, وقد علم أن الله أكمل لهذه الأمة دينها, وأن الله بيّن لهذه الأمة ما تتقيه كما قال: ((اليوم أكملت لكم دينكم)) , وقال: ((وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتقون)), وأن النبي (صلى الله عليه وسلم) بيّن للأمة الإيمان الذي أمرهم الله به.. وكذلك سلف الأمة وأئمتها.. علم بمجموع هذين الأمرين: أن هذا ليس من دين الله, ولا من الإيمان, ولا من سبيل المؤمنين, ولا من طاعة الله ورسوله. وإذا كان كذلك فمن التزم اعتقاده فقد جعله من الإيمان والدين, وذلك تبديل للدين كما بدل مبتدعة اليهود والنصارى ومبتدعة هذه الأمة دين المرسلين.
(ويقول ابن تيمية عند بيانه للوجه الثاني): وليس في شيء من ذلك نفي الجهة والتحيز عن الله, ولا وصفه بما يستلزم لزوماً بيناً نفي ذلك, فكيف يصح مع كمال الدين وتمامه ومع كون الرسول قد بلغ البلاغ المبين, أن يكون هذا من الدين والإيمان ثم لا يذكره الله ولا رسوله قط ؟ وكيف يجوز أن يدعى الناس ويؤمرون باعتقاد في أصول الدين ليس له أصل عمن جاء بالدين.. هل هذا إلاّ صريح تبديل الدين..)) (الفتاوى 5 / 18 ـ 20).
فكما ترى أن ابن تيمية ينكر أشد الأنكار على من ينفي الجهة والتحيز عن الله تعالى, فيلزمه ـ على هذا ـ القول بإثبات الجهة والتحيز, فحيث نفى نفي الجهة لم يبق إلاّ الاثبات, وعلى هذا يمكن أن نقول إنه قال بثبوت الجهة والتحيز هنا باعتبار لازم كلامه, ولا سيما قد عد الخارجين على رأيه خارجين على دين الله, فنفاة الجهة والتحيز عنده قد بدلوا دين الله على زعمه, فلم يبق إلاّ أن يثبتهما هو ليحافظ على دين الله من التبديل!!
وقد وسم ابن تيمية من موضع آخر من فتاواه (ج 5 ص 2) الطالبين باعتقاد نفي الجهة والحيز عن الله تعالى بالأئمة المضلين, وأنهم يأمرون الناس بأن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
إلاّ أن ابن تيمية ناقض نفسه فيما بنى عليه هناك من حمل الألفاظ على ظواهرها حقيقة, ولم يثبت لله صفة المعية بمرادها الحقيقي, بل تهافت في ذلك وفسرها ـ كما قال ـ بما تدل عليه الحال في قوله تعالى ((لا تحزن إن الله معنا)) بمعية الاطلاع والتأييد والنصر, وهذا تناقض فاضح, وتحكم ظاهر في تفسير آيات الكتاب الكريم, وحكم على نفسه بنفسه ـ وحسب أقواله ـ بأنه مبتدع وضال قال في ((الرسالة الحموية الكبرى)) ص 156: ((ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار: لا تحزن إن الله معنا, كان هذا أيضاً حقاً على ظاهره, ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا: معية الاطلاع والتأييد والنصر)) (انتهى).
ولا ندري لم لم تسعف الحال ابن تيمية في صفة الفوقية هناك فينفي عن المولى سبحانه ما يقتضيه معناها الذي هو من لوازم الأجسام أو لوازم أعراض الأجسام, وهو حمل محال, ويحملها على ما يمكن حمله عقلاً وشرعاً كما فعل مع صفة المعية هنا.
قال الغزالي في (إلجام العوام: 9): (( .. إذا سمع لفظ الفوق في قوله تعالى (( يخافون ربّهم من فوقهم )) وفي قوله تعالى (( وهو القادر فوق عباده )) فليعلم أنّ الفوق اسم مشترك يطلق لمعنيين: أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل, يعني أن الأعلى من جانب رأس الأسفل, وقد يطلق الفوقية الرتبة, وبهذا المعنى يقال: الخليفة فوق السلطان, والسلطان فوق الوزير, وكما يقال العلم فوق العمل والصياغة فوق الدباغة.
(والأول) يستدعي جسماً ينسب إلى جسم.
(والثاني) لا يستدعيه.. فليعتقد المؤمن قطعاً أن الأول غير مراد, وأنه على الله تعالى محال, فإنه من لوازم الأجسام أو لوازم أعراض الأجسام)) (انتهى).
البعد الثاني: (وهو زعمه أن الحوادث تقوم بالله تعالى):
قال العلاّمة الحلي ـ الذي يرد عليه ابن تيمية في (منهاج السنّة) ـ : ((وأن أمره ونهيه وإخباره حادث, لاستحالة أمر المعدوم ونهيه وإخباره)).
فقال ابن تيمية: ((فيقال هذه مسألة كلام الله تعالى والناس فيها مضطربون..)) إلى أن قال: ((فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ, قلنا: نعم, وهذا قولنا الذي دلَّ عليه الشرع والعقل)).
وقال أيضاً: ((فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به ! قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسنّة تتضمن ذلك مع صريح العقل, وهو قول لازم لجميع الطوائف, ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزومه, ولفظ الحوادث مجمل.. فقد يراد به الأعراض والنقائص والله منزه عن ذلك, ولكن يقوم به ما شاءه ويقدر عليه من كلامه وأفعاله ونحو ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة )) [منهاج السنّة: 1/ 224].
وقد استدل لما ذهب إليه في (منهاج السنّة1/ 118 ـ 119) بما هذا ملخصه كما ذكر أحد أتباعه وهو بقوله: ((هل يجوز ابن تيمية قيام الحوادث بذاته تعالى؟ الجواب: إن ابن تيمية لا يرى من ذلك مانعاً, لا من جهة العقل ولا من جهة النقل, بل يرى أن العقل والنقل متظافران على وجوب قيام الأمور الاختيارية به تعالى, وأمّا تلك المقدمة القائلة: إن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث, فهي صحيحة إن أريد بها آحاد الحوادث وأفرادها المتعاقبة في الوجود, فإن لكل واحد منها مبدأ ونهاية, فما لم يخل منها فهو إمّا أن يكون معها أو بعدها, وعلى التقديرين يكون حادثاً, وأمّا إن أريد جنس الحوادث فهي باطلة, فإن الجنس يجوز أن يكون قديماً, إن كان كل فرد من أفراده حادثاً, حيث أنه لا يلزم من حدوث كل فرد حدوث الجملة, لأن حكم الجملة غير حكم الأفراد)).
إلاّ ان هذا الشيخ المدافع عن عقائد ابن تيمية والمؤيد لها, لم يطمئن لعقيدته هذه, وقال انها مبتنية على قاعدة يصعب تصورها, فعقّب بالقول: ((إن ابن تيمية قد بنى على هذه القاعدة (قدم الجنس وحدوث الأفراد) كثيراً من العقائد, وجعلها مفتاحاً لحل مشاكل كثيرة في علم الكلام, وهي قاعدة لا يطمئن إليها العقل كثيراً, فإن الجملة ليست شيئاً أكثر من الأفراد مجتمعه فإذا فرض أن كل فرد منها حادث لزم من ذلك حدوث الجملة قطعاً)).
وقال: ((فإن ابن تيمية بعد أن أورد المذاهب المختلفة أخذ في تقرير مذهبه الذي يدعي أنه مذهب السلف, ولكن عليه من المآخذ ما سبق أن أشرنا إليه من تجويز قيام الحوادث بذاته تعالى, وابتنائه على تلك القاعدة الفلسفية التي تقول بقدم الجنس مع حدوث أفراده, وهي قاعدة يصعب تصورها كما قلنا)) [ابن تيمية السلفي: 107, 131].
وهذه العقيدة قد تابع فيها ابن تيمية الكرامية, وهم من المجسمة!
قال الكوثري في (الرد على النونية), ص 16: ((اتفقت فرق المسلمين سوى الكرامية وصنوف المجسمة على أن الله سبحانه منزه عن أن تقوم به الحوادث وأن تحل به الحوادث, وأن يحل في شيء من الحوادث, بل ذلك مما علم من الدين بالضرورة)).
وقال تقي الدين السبكي: ((وأمّا الحشوية, فهي طائفة رذيلة جهال ينتسبون إلى أحمد, وأحمد مبرأ منهم, وسبب نسبتهم إليه أنه قام في دفع المعتزلة, وثبت في المحنة رضي الله عنه, ونقلت كليمات ما فهمها هؤلاء الجهال فاعتقدوا هذا الاعتقاد السيء, وصار المتأخر منهم يتبع المتقدم إلاّ من عصمه الله, وما زالوا من حين نبغوا مستذلين ليس لهم رأس ولا من يناظر ـ إلى أن يقول ـ ثم جاء في أواخر المائة السابعة رجل له فضل ذكاء واطلاع, ولم يجد شيخاً يهديه, وهو على مذهبهم وهو جسور متجرد لتقرير مذهبه, ويجد أموراً بعيدة فبجسارته يلتزمها, فقال بقيام الحوادث بذات الربّ سبحانه وتعالى, وأنّ الله سبحانه ما زال فاعلاً, وأن التسلسل ليس بمحال فيما مضى كما هو فيما سيأتي, وشق العصا وشوش عقائد المسلمين, وأغرى بينهم, ولم يقتصر ضرره على العقائد في علم الكلام حتى تعدى وقال: إن السفر لزيارة النبي (صلى الله عليه وسلم) معصية)) [السيف الصقيل: 15 ـ 17].
وعلى أية حال, فدعوى ابن تيمية قيام الحوادث بالله تعالى, معناه قيام المخلوق بذات الله تعالى, لأن الحادث مخلوق, ومعناه قيام الناقص بالكامل, وبعبارة أخرى: اتصاف الله الكامل بالناقص, وهذا خلف كونه كاملاً.
مع أن دليل ابن تيمية يحمل بطلانه معه, وقد اقترب من تقرير بطلانه الدكتور هراس بنفسه, وهو أحد أتباعه, إذ الجملة ليست شيئاً أكثر من الأفراد مجتمعة, فإذا تقرر أن كل فرد منها حادث لزم من ذلك حدوث الجملة قطعاً, فعلى هذا يستحيل وجود حوادث لا أول لها.
البعد الثالث: (زعمه أن كلام الله تعالى بصوت وحرف):
يقول ابن تيمية كما في (فتاويه الكبرى 5 / 121): ((.. وأن الله تعالى متكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح, وليس ذلك كأصوات العباد, لا صوت القارئ ولا غيره)).
قال: ((.. عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله: يا آدم, فيقول: لبيك وسعديك, فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار)) [المصدر السابق: 5 / 125] .
قال: ((.. ويذكر عن جابر بن عبد الله, عن عبد الله بن أنيس, سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك, أنا الديّان..)) [نفس المصدر
رد علماء السنة على قول ابن تيمية بالتجسيم والتشبيه :
المعروف عن بعض الحنابلة انهم من القائلين بالتجسيم، بمعنى أنّ لله تعالى يداً ووجهاً وعيناً وساقاً، وأنّه متربّع على العرش شأنه شأن الملوك والسلاطين، واستدلّوا على ذلك بآيات من القرآن الكريم، كقوله تعالى " يد الله فوق أيديهم " و " كلّ شيء هالك إلاّ وجهه " و " يوم يكشف عن ساق " و " الرحمن على العرش استوى " وغيرها من الآيات، وقالوا : ان اليد والوجه والساق والاستواء جاءت في القرآن على وجه الحقيقة في معانيها وليست مصروفة الى معانيها المجازية.
نعم يد الله ليست كيدنا، ووجهه ليس كوجهنا، وساقه ليس كساقنا، بدليل قوله تعالى : " ليس كمثله شيء ".
ولا يخفى عليك ان ابن تيميّة ومحمّد بن عبد الوهاب يدّعيان انهما من الحنابلة.
واقوال ابن تيميّة في التجسيم كثيرة جداً، وللوقوف على ذلك راجع مثلا كتابه ( الفتوى الحموية الكبرى) في مجموعة الفتاوى : ج5، كتاب الاسماء والصفات.
وان عقيدته في التجسيم كانت واحداً من أهمّ محاور الصراع الذي خاضه مع علماء عصره، فهي السبب الوحيد لما دار بينه وبين المالكيّة من فتن في دمشق، وهي السبب الوحيد لاستدعائه الى مصر ثم سجنه هناك، كما كانت سبباً في عدّة مجالس عقدت هنا وهناك لمناقشة أقواله.
ولم ينفرد المالكيّة في الرد عليه، بل كان هذا هو شأن الحنفية والشافعيّة أيضاً، وأمّا الحنبليّة فقد نصّوا على شذوذه عنهم.
قال الشيخ الكوثري الحنفي في وصف عقيدة ابن تيميّة في الصفات : إنّها تجسيمٌ صريح. ثمّ نقل مثل ذلك عن ابن حجر المكّي في كتابه ( شرح الشمائل ) ـ انظر : تعليقة الكوثري في ذيل ( الأسماء والصفات) للبيهقي : 301 ـ.
وللشافعيّة دورهم البارز في مواجهة هذه العقيدة، فقد صنّفوا في بيان أخطاء ابن تيميّة فيها كثيراً، وربّما يفعدّ من أهمّ تصانيفهم تلك ما كتبه شيخهم شهاب الدين ابن جَهبَل، المتوفّى سنة 733 هـ ويكتسب هذا التصنيف أهميّته لسببين :
أوّلهما : أنّ هذا الشيخ كان معاصراً لابن تيميّة، وقد كتب ردّه هذا في حياة ابن تيميّة موجّهاً إليه.
والثاني : أنّه ختمه بتحدّف صريح، قال فيه : " ونحن ننتظر ما يَرفدف من تمويههف وفساده، لنبيّن مدارج زيغه وعناده، ونجاهد في الله حقّ جهاده ". ثمّ لم يذكر لابن تيميّة جواباً عليه رغم أنّه قد وضع ردّاً على (الحمويّة الكبرى ) التي ألقاها الشيخ ابن تيميّة على المنبر في سنة 698 هـ.
وأمّا دفاعه عن التجسيم فهو دفاع المجسّمة الصفرحاء، فيقول ردّاً على القائلين بتنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء : إنّهم جعلوا عفمدتهم في تنزيه الربّ عن النقائص على نفي التجسيم، ومن سلك هذا المسلك لم يفنزّفه الله عن شيء من النقائص ألبتّة ـ التفسير الكبير 1 / 275، الفرقان بين الحقّ والباطل : 111، وانظر كلامه في " البعض " و " الكلّ " في ( الفتاوى الكبرى ) 6 : 413 ـ.
ثم طريق اثبات شيء على المتهم لا يتم بإقراره فقط ومن كتبه فإنّه قد لا يذكر ذلك صريحاً خوفاً من المسلمين، ولكن هناك طريقة اخرى وهي شهادة شهود عليه، فان هذا من اقوى ادلّة الاثبات، خاصة اذا كانوا كثيرين.
وقد شهد على ابن تيميّة الكثير منهم : ابن بطوطة في كتابه ( رحلة ابن بطوطة : 95 ) إذ يقول تحت عنوان : ( حكاية الفقيه ذي اللّفوثة ـ اللّفوثة بالضمّ : مَسّف جنون ـ ! ) : كان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقيّ الدين ابن تيميّة، كبير الشأم، يتكلّم في الفنون، إلاّ أنّ في عقله شيئاً ! وكان أهل دمشق يفعظّمونه أشدّ التعظيم ويعظهم على المنبر، وتكلّم بأمرف أنكره الفقهاء. .
قال : وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة وهو يعفظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جفملة كلامه أن قال : ( إنّ الله ينزفلف إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ) ونزل درجةً من المنبر !.
فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتّى سقطت عمامته وظهر على رأسه شاشيّة حرير، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عزّ الدين بن مسلم قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه، وعزّره بعد ذلك. .
ومقولة ابن تيميّة هذه ذكرها ابن حجر العسقلاني أيضاً في الدرر الكامنة ـ 1 / 154 ـ.
تلك صورةٌ عن عقيدته في الله تعالى. . فهو يجيز عليه تعالى الانتقال والتحوّل والنزول، وفي هذا التصوّر من التجسيم ما لا يخفى، فالذي ينتقل من مكان إلى مكان، وينزل ويصعد، فلابفدّ أنّه كان أوّلاً في مكان ثمّ انتقل إلى مكان آخر، فخلا منه المكان الأوّل، واحتواه المكان الثاني، والذي يحويه المكان لا يكون إلاّ محدوداً ! فتعالى الله عمّا يصفون
نذكر لك بعض أقوال ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب الدالة على ضلالهما وانحرافهما ومخالفتهما لجميع المسلمين، وإن أردت المزيد وافيناك به:
1- اعتقاد ابن تيمية قدم نوع الحوادث من الأفعال والمفاعيل واعتقاده بحوادث لا أول لها ، مما يستلزم قدم شيء غير الله ، وهو كفر .
راجع (درء تعارض العقل والنقل 1 / 240 و 276 و 375) و (شرح حديث النزول:158) و (شرح حديث عمروان بن حصين : 371) و (الردّ على أساس التقديس 1/599).
2- قول ابن تيمية بفناء النار، وهو مخالف لإجماع المسلمين.
ذكره ابن القيّم تلميذ ابن تيمية في كتابه (شفاء العليل : 431 ـ 451) وفي كتابه (حاوي الارواح إلى بلاد الأفراح : 253 ـ 277) وذكر فيهما ان القول بفناء النار هو قول استاذه ابن تيمية، وذكر الصفدي في (الوافي بالوفيات 7 / 26) ان لابن تيمية تصنيفا مستقلا في مسألة فناء النار.
3- قول ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب بالتجسيم، وهذا الرأي مشهور عنهما، وقد ذكراه في أكثر كتبهما وصرّحا به.
4- تكفير ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب المسلمين. راجع كتاب (فصل الخطاب : 28) لسليمان بن عبد الوهاب أخ محمد بن عبد الوهاب.
5- نسب محمد بن عبد الوهاب القول بنفي ذرية الإمام الحسن (عليه السلام) إلى الشيعة، وقال:
وهذا القول شائع فيهم وهم مجمعون عليه.
راجع (رسالة في الردّ على الرافضة : 29).
ولا يوجد ولا شيعي واحد ينفي ذريّة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ، بل كلهم يثبتونها .
6- انكار ابن تيمية وابن عبد الوهاب الزيارة والتبرك ، وخالفا في قولهما هذا رأي الاكثرية القاطبة للمذاهب الإسلامية.
وأهمّ شيء يجب أن تعرفه وتطلع عليه: ان كبار علماء المذاهب الاسلامية منذ أن أعلن ابن تيمية وابن عبد الوهاب عن آرائهما المنحرفة وقفوا أمام انحرافهما وكتبوا مئات الكتب في الردّ عليهما وعلى آرائهما المخالفة لاجماع المسلمين والمخالفة للكتاب والسنة الصريحة وكذبهما.
فمن أكاذيب ابن تيمية :
1- انكاره ان يكون ابن عباس تتلمذ على الإمام علي(عليه السلام) ( منهاج السنة 7 / 536)، وقد اثبت المناوي تتلمذ ابن عباس على الإمام (فيض القدير 4 / 357).
2- تكذيبه لحديث (علي مع الحق والحق مع علي)، وادعاؤه ان أحد لم يروه (منهاج السنة 4 / 238).
مع أن هذا الحديث رواه الترمذي في صحيحه والحاكم في المستدرك، والطبراني، والخطيب البغدادي، وابن عساكر ، و … .
3- انكاره قضية المؤاخاة بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام علي (عليه السلام) وبين المهاجرين بعضهم من بعض (منهاج السنة 4 / 32 ، 5 / 71 ، 7 / 117 و 279). والحال انك تجد حديث المؤاخاة في: (الترمذي 5 / 595 والطبقات لابن سعد 2 / 60، والمستدرك للحاكم 3 / 16، ومصابيح السنة 4 / 173 ، و … ). حتى ردّ ابن حجر على ابن تيمية في انكاره مسألة المؤاخاة في كتابه (فتح الباري 7 / 2179 وقال : هذا ردّ للنصّ بالقياس وإغفال عن حكمة المؤاخاة. كما وردّ عليه أيضا الزرقاني في (شرح المواهب اللدنية 1 / 273 ).
4- قول ابن تيمية حول حديث (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) قوله عن هذا الحديث: كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث. (منهاج السنة 7 / 55) .
مع أن هذا الحديث أخرجه أحمد بأسانيد صحيحة وأخرجه ابن أبي شيبة وابن راهويه وابن جرير والطبراني وأبو نعيم والحاكم والخطيب و … .
5- قول ابن تيمية حول حديث (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح) قوله : هذا لا يعرف له إسناد لا صحيح ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها (منهاج السنة 7 / 395).
والحال ان الحديث رواه : أحمد بن حنبل والبزار وأبو يعلى وابن جرير والنسائي والطبراني والدارقطني والحاكم و…
6- قول ابن تيمية عن حديث الطير : من المكذوبات الموضوعات (منهاج السنة 7 / 371).
والحال ان هذا الحديث يرويه : الحاكم وابن سعد وأحمد بن حنبل والترمذي والبزار والنسائي والبيهقي وابن حجر وابن عساكر وأبو حنيفة والطبراني و … .
وإن شئت المزيد من ذكر انحرافات ابن تيمية وابن عبد الوهاب ومخالفتهما في العقائد والأحكام لما أجمعت عليه الأمة الإسلامية ، فسنوافيك بمئات الموارد منها ، كلها مأخوذة من كتبهما.
وإن شئت ذكرنا لك اسماء المئات من كبار العلماء الرادّين عليهما
ناقض ابن تيمية ورده على نفسه, فإن التناقض هو أول مراتب الفساد كما يقول هو نفسه.
يقول ابن تيمية كما في فتاويه: (( (الوجه الرابع عشر) وأمّا قولهم: ولا يقول أن كلام الله حرف وصوت قائم به بل هو معنى قائم بذاته, فقد قلت في الجواب المختصر البديهي: ليس في كلامي هذا أيضاً, ولا قلته قط, بل قول القائل إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة, وقوله إنه معنى قائم به بدعة, لم يقل أحد من السلف لا هذا ولا هذا, وأنا ليس في كلامي شيء من البدع, بل في كلامي ما أجمع عليه السلف إن القرأن كلام الله غير مخلوق)) [الفتاوى الكبرى: 5/ 4].
ثم نتسآءل: هل الادعاء بأنَّ كلام الله بصوت وحرف ثم القول بعد ذلك لا كأصواتنا ولا كحروفنا.. هل هذا كاف في التنزيه ونفي التشبيه؟ لنترك ابن تيمية يجيب على هذا التساؤل ليكون حجة على نفسه.. قال: ((.. وأما في طرق الإثبات, فمعلوم أيضاً أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه, إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه, لجاز أن يوصف سبحانه من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه, وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه, وكما لو قال المفتري يأكل لا كأكل العباد ويشرب لا كشربهم, ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم, كما يقال يضحك لا كضحكهم ويفرح لا كفرحهم ويتكلم لا ككلامهم, ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم, كما قيل: له وجه لا كوجوههم, ويدان لا كأيديهم حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر وغير ذلك, مما يتعالى الله عزّ وجلّ عنه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً..)) [الرسالة التدمرية: 88].
إذن , التسليم بالاشتراك في المعنى العام وهو الصوت والحرف, ثم القول بأنّه لا كالأصوات ولا كالحروف.. هذا لا ينفي التشبيه وإن ادعى صاحبه ذلك.. لأن ما سلم به هو معنى من معاني الحدوث, فكأنّه يقول حادث لا كالحوادث, وهذا تناقض صريح.. باعتبار ما أقرَّ به ابن تيمية نفسه.
ثم نسأل ابن تيمية: هل هناك وجه لمخالفة صوته (تعالى الله عن ذلك) لأصواتنا؟.. هنا يجيب ابن تيمية.. يقول: ((.. إن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق, لأن صوت الله يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)) [شرح العقيدة الأصفهانية: 28].
فلا وجه إذاً للمخالفة.. غير أن صوته يسمع من قرب كما يسمع من بعد..
ولا ندري ماذا يكون موقف ابن تيمية فيما توصل إليه البشر من تقريب الأصوات حتى سمعت من بعد كما سمعت من قرب بوسائل الإعلام والاتصال الحديثة, هل كان يصر على رأيه بأن السماع من بعد كالسماع من قرب كاف في المخالفة للحوادث والتنزيه؟!
الرد على ابن تيمية في هذا الجانب
نقل الكوثري عن أبي بكر ابن العربي في العارضة ما يلي: ((.. لا يحلّ لمسلم أن يعتقد أن كلام الله صوت وحرف, لا من طريق العقل ولا من طريق الشرع, فأمّا طريق العقل فلأن الصوت والحرف مخلوقان محصوران, وكلام الله يجل عن ذلك كله. وأمّا طريق الشرع فلأنّه لم يرد في كلام الله صوت وحرف من طريق صحيحة.. ولهذا لم نجد طريقاً صحيحاً لحديث ابن أنيس وابن مسعود)).
.. وأنت تعلم مبلغ استبحار ابن العربي في الحديث في نظرهم, وجزء (الصوت) للحافظ أبي الحسن المقدسي لا يدع أيّ متمسك في الروايات في هذا الصدد لهؤلاء الزائغين, ومن رأى نصوص فتاوى العزّ بن عبد السلام وابن الحاجب الحصيري والعلم السخاوي ومن قبلهم ومن بعدهم من أهل التحقيق ـ كما هو مدون في نجم المهتدي ودفع الشبه وغيرهما ، يعلم مبلغ الخطورة في دعوى أن كلام الله حرف وصوت. ولا تصح نسبة الصوت إلى الله تعالى إلاّ نسبة ملك وخلق. لكن هؤلاء رغم تضافر البراهين ضدّهم, ودثور الآثار التي يريدون البناء عليها, يعاندون الحق, ويظنّون أن كلام الله من قبيل كلام البشر الذي هو كيفية إهتزازية تحصل للهواء من ضغطه باللهاة واللسان, تعالى الله عن ذلك. ويدور أمرهم بين التشبيه بالصنم أو التشبيه بابن آدم.. أولئك كالأنعام بل هم أضل.
يقول الكوثري: ((.. بل من قال إن كلام معبوده حرف وصوت قائمان به فهو الذي نحت عجلاً جسداً له خوار, يحمل أشياعه على تعبّده)) [الرد على النونية: 172].
ويقول: ((إن كان يريد حديث جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس: ويحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب..)) الحديث.. فهو حديث ضعيف علّقه البخاري بقوله: ويُذْكَر عن جابر, دلالة على أنه ليس من شروطه, ومداره عن عبد الله بن محمد بن عقيل, وهو ضعيف باتفاق, وقد انفرد عنه القاسم بن عبد الواحد وعنه قالوا: إنّه ممّن لا يحتجّ به. وللحافظ أبي الحسن المقدسي جزء في تبيين وجوه الضعف في الحديث المذكور.
وأمّا إن كان يريد حديث أبي سعيد الخدري: يقول يا آدم يقول لبيك وسعديك فينادى بصوت إن الله يأمرك.. الحديث. فلفظ (ينادى) فيه على صيغة المفعول جزماً بدليل (إن الله يأمرك) ولو كان على صيغة الفاعل لكان إني آمرك, كما لا يخفى. على أن لفظ (بصوت) انفرد به حفص بن غياث, وخالفه وكيع وجرير وغيرهما فلم يذكروا الصوت, وسئل أحمد عن حفص هذا فقال: كان يخلط في حديثه كما ذكره ابن الجوزي. فأين حجة الناظم في مثله؟
على أن الناظم نفسه خرّج في حادي الأرواح وفي هامشه أعلام الموقعين ( 2 ـ 97) عن الدارقطني من حديث أبي موسى: يبعث الله يوم القيامة منادياً بصوت يسمعه أولهم وآخرهم... الحديث. وهذا يعين أن الإسناد مجازي على تقدير ثبوت الحديثين.. فظهر بذلك أن الناظم متمسك في ذلك بالسراب)) [الرد على النونية: 63].
ويقول تقي الدين السبكي: ((.. اللفظ الذي في البخاري (فينادى بصوت) وهذا محتمل لأن تكون الدال مفتوحة والفعل لم يسمّ فاعله, وأن تكون مكسورة فيكون المنادي هو الله. فنقله عن البخاري نداء الله ليس بصحيح (قال ابن القيم: وأذكر حديثاً في صحيح محمد ذاك البخاري, فيه نداء الله يوم معادنا بالصوت) والعدالة في النقل أن ينقل المحتمل محتملاً. وإذا ثبت أن الدال مكسورة فلِمَ يقول إن الصوت منه؟ فقد يكون من بعض ملائكته أو من يشاء الله..)) [المصدر: 64].
.. هذا, وقد سبق نقل ما قاله ابن القيم بتأويل (القرب) في قوله تعالى {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وترجيحه القول بأن المراد قرب ملائكته منه, سواء سمى ذلك تأويلاً أم لم يسمّه.
وأمّا ما ذكره من حديث: أن الله تعالى كلّم موسى بصوت يشبه الصواعق, فهو حديث موضوع.. ذكره ابن الجوزي في الموضوعات.. وعلّق عليه بقوله: وليس به لبس بصحيح.. والفضل متروك. نقل ذلك عنه السيوطي في كتابه: (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1/ 12).
وقد ذكر القاضي الباقلاني البصري المتوفى سنة 403 في كتابه (الإنصاف) فيضاً من الأدلة على تنزيه الله عن الحرف والصوت.. ونقل من ذلك قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: ((إن الله كلّم موسى عليه السلام بلا جوارح ولا أدوات ولا حروف ولا شفة ولا لهوات, سبحانه عن تكيف الصفات)).
وقال في ص 91 من (الإنصاف): ((.. وأيضاً: فإن الحروف تحتاج إلى مخارج, فحرف الشفة غير حرف اللسان, وحرف الحلق غيرهما, فلو كان تعالى يحتاج في كلامه إلى الحروف لاحتاج إلى المخارج, وهو منزه عن جميع ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون. وأيضاً : فإن الحروف متناهية معدودة محدودة, وكلام الله تعالى قديم لا مفتتح لوجوده ولا نهاية لدوامه, كعلمه وقدرته ونحو ذلك من صفات ذاته, وقد أكّد تعالى ذلك بغاية التأكيد, وأن كلامه لا يدخله العد والحصر والحد بقوله تعالى {لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً}(الكهف/109).
وقال {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله}(لقمان/27) فأخبر تعالى في هاتين الآيتين أنه لا نهاية لكلامه, إذ كلّ ماله نهاية له بداية, وإنّما تتصور النهاية في حق من يتصوّر في حقه البداية)).
وقد ردّ الباقلاني على ما أورده المخالفون من الأحاديث, وأجاب بأجوبة عديدة.. منها قوله بأن حديث ابن أنيس قد روى فيه ما يدل على أن الصوت من غير الله بأمره... ثم قال: ((.. فصح أن النداء من غيره, لكن لما كان بأمره أضيف النداء إليه كما يقال: نادى الخليفة في بغداد بكذا وكذا. ويقال أمر الخليفة منادياً فنادى بأمره في بغداد بكذا وكذا. ولا فرق بين الموضعين. فإن كلّ عاقل يعلم أن الخليفة لم يباشر النداء بنفسه, لكن لما كان بأمره جاز أن يضيفه إلى نفسه وأن يضاف إليه وإن لم يكن هو المنادي بنفسه. ويصحح جميع ذلك القرآن قال الله {واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج})).
((ومن عجيب الأمر أن الجهال لا يجيزون أن يكون النداء صفة المخلوق, إذا كان رفيع القدر في الدنيا كالخليفة والأمير وينفون عنه ذلك, ثم يجوّزونه في حق ربّ العالمين.
جواب آخر: وهو أن كلّ ما أضيف إلى الله تعالى لا يجب أن يكون صفة له, فمن زعم هذا فقد كفر وأشرك لا محالة, لأن الخبر قد جاء بقول الله تعالى: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني, جعت فلم تطعمني, عطشت فلم تسقني, عريت فلم تكسني. فأضاف هذه الأشياء إليه في الخبر, ومن زعم أنه يجوع ويعطش ويمرض ويعرى فقد كفر وأشرك لا محالة. وكذلك قال تعالى {يوم ينفخ في الصور} على قراءة من قرأ بالنون والنافخ إسرافيل.. وقال تعالى {إن الذين يؤذون الله} فأضاف الأذية إليه. ومن زعم أن الأذية من صفته فقد كفر لا محالة)) [الإنصاف: 114].
وأما ما رواه ابن تيمية عن ابن مسعود: إذا تكلّم الله بالوحي سُمِعَ له صوت كجر السلسلة على الصفوان.. فإنّه مع وقفه يجاب عنه بأجوبة:
أوّّلها:.. أنه قد روى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان.. وفي رواية: سمع أهل السماء للسماء صلصلة..
ثانيهما:.. روى مسلم عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إذا تكلّم الله بالوحي أخذت السماوات منه رجفة شديدة من خوف الله تعالى, فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخرّوا سجّداً, وأول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام, فيتكلّم الله من وحيه بما أراد, فينتهي به جبريل عليه السلام على الملائكة كلّما مرّ بسماء سأل أهلها ماذا قال ربّنا؟ فيقول جبريل: الحق وهو العلي الكبير. فثبت أن ما سمعوا هو صوت رجفة السماوات لا كلام الله تعالى.. ولذا سألوا جبريل عليه السلام: ماذا قال ربّنا؟ فدلّ على أنهم لم يسمعوا كلامه.. لأنهم لو سمعوا كما سمع جبريل لفهموا كما فهم.
ثالثاً: فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان.. فالصوت هذا مضاف هنا إلى أجنحة الملائكة لا إلى كلام الله تعالى.
ومن جملة هذه الأجوبة يصير الخبر حجة على ابن تيمية لا حجة له(انظر: دراسات في منهاج السنةص139).
ناقض ابن تيمية ورده على نفسه, فإن التناقض هو أول مراتب الفساد كما يقول هو نفسه.
يقول ابن تيمية كما في فتاويه: (( (الوجه الرابع عشر) وأمّا قولهم: ولا يقول أن كلام الله حرف وصوت قائم به بل هو معنى قائم بذاته, فقد قلت في الجواب المختصر البديهي: ليس في كلامي هذا أيضاً, ولا قلته قط, بل قول القائل إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة, وقوله إنه معنى قائم به بدعة, لم يقل أحد من السلف لا هذا ولا هذا, وأنا ليس في كلامي شيء من البدع, بل في كلامي ما أجمع عليه السلف إن القرأن كلام الله غير مخلوق)) [الفتاوى الكبرى: 5/ 4].
ثم نتسآءل: هل الادعاء بأنَّ كلام الله بصوت وحرف ثم القول بعد ذلك لا كأصواتنا ولا كحروفنا.. هل هذا كاف في التنزيه ونفي التشبيه؟ لنترك ابن تيمية يجيب على هذا التساؤل ليكون حجة على نفسه.. قال: ((.. وأما في طرق الإثبات, فمعلوم أيضاً أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه, إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه, لجاز أن يوصف سبحانه من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه, وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه, وكما لو قال المفتري يأكل لا كأكل العباد ويشرب لا كشربهم, ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم, كما يقال يضحك لا كضحكهم ويفرح لا كفرحهم ويتكلم لا ككلامهم, ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم, كما قيل: له وجه لا كوجوههم, ويدان لا كأيديهم حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر وغير ذلك, مما يتعالى الله عزّ وجلّ عنه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً..)) [الرسالة التدمرية: 88].
إذن , التسليم بالاشتراك في المعنى العام وهو الصوت والحرف, ثم القول بأنّه لا كالأصوات ولا كالحروف.. هذا لا ينفي التشبيه وإن ادعى صاحبه ذلك.. لأن ما سلم به هو معنى من معاني الحدوث, فكأنّه يقول حادث لا كالحوادث, وهذا تناقض صريح.. باعتبار ما أقرَّ به ابن تيمية نفسه.
ثم نسأل ابن تيمية: هل هناك وجه لمخالفة صوته (تعالى الله عن ذلك) لأصواتنا؟.. هنا يجيب ابن تيمية.. يقول: ((.. إن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق, لأن صوت الله يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)) [شرح العقيدة الأصفهانية: 28].
فلا وجه إذاً للمخالفة.. غير أن صوته يسمع من قرب كما يسمع من بعد..
ولا ندري ماذا يكون موقف ابن تيمية فيما توصل إليه البشر من تقريب الأصوات حتى سمعت من بعد كما سمعت من قرب بوسائل الإعلام والاتصال الحديثة, هل كان يصر على رأيه بأن السماع من بعد كالسماع من قرب كاف في المخالفة للحوادث والتنزيه؟!
الرد على ابن تيمية في هذا الجانب
نقل الكوثري عن أبي بكر ابن العربي في العارضة ما يلي: ((.. لا يحلّ لمسلم أن يعتقد أن كلام الله صوت وحرف, لا من طريق العقل ولا من طريق الشرع, فأمّا طريق العقل فلأن الصوت والحرف مخلوقان محصوران, وكلام الله يجل عن ذلك كله. وأمّا طريق الشرع فلأنّه لم يرد في كلام الله صوت وحرف من طريق صحيحة.. ولهذا لم نجد طريقاً صحيحاً لحديث ابن أنيس وابن مسعود)).
.. وأنت تعلم مبلغ استبحار ابن العربي في الحديث في نظرهم, وجزء (الصوت) للحافظ أبي الحسن المقدسي لا يدع أيّ متمسك في الروايات في هذا الصدد لهؤلاء الزائغين, ومن رأى نصوص فتاوى العزّ بن عبد السلام وابن الحاجب الحصيري والعلم السخاوي ومن قبلهم ومن بعدهم من أهل التحقيق ـ كما هو مدون في نجم المهتدي ودفع الشبه وغيرهما ، يعلم مبلغ الخطورة في دعوى أن كلام الله حرف وصوت. ولا تصح نسبة الصوت إلى الله تعالى إلاّ نسبة ملك وخلق. لكن هؤلاء رغم تضافر البراهين ضدّهم, ودثور الآثار التي يريدون البناء عليها, يعاندون الحق, ويظنّون أن كلام الله من قبيل كلام البشر الذي هو كيفية إهتزازية تحصل للهواء من ضغطه باللهاة واللسان, تعالى الله عن ذلك. ويدور أمرهم بين التشبيه بالصنم أو التشبيه بابن آدم.. أولئك كالأنعام بل هم أضل.
يقول الكوثري: ((.. بل من قال إن كلام معبوده حرف وصوت قائمان به فهو الذي نحت عجلاً جسداً له خوار, يحمل أشياعه على تعبّده)) [الرد على النونية: 172].
ويقول: ((إن كان يريد حديث جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس: ويحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب..)) الحديث.. فهو حديث ضعيف علّقه البخاري بقوله: ويُذْكَر عن جابر, دلالة على أنه ليس من شروطه, ومداره عن عبد الله بن محمد بن عقيل, وهو ضعيف باتفاق, وقد انفرد عنه القاسم بن عبد الواحد وعنه قالوا: إنّه ممّن لا يحتجّ به. وللحافظ أبي الحسن المقدسي جزء في تبيين وجوه الضعف في الحديث المذكور.
وأمّا إن كان يريد حديث أبي سعيد الخدري: يقول يا آدم يقول لبيك وسعديك فينادى بصوت إن الله يأمرك.. الحديث. فلفظ (ينادى) فيه على صيغة المفعول جزماً بدليل (إن الله يأمرك) ولو كان على صيغة الفاعل لكان إني آمرك, كما لا يخفى. على أن لفظ (بصوت) انفرد به حفص بن غياث, وخالفه وكيع وجرير وغيرهما فلم يذكروا الصوت, وسئل أحمد عن حفص هذا فقال: كان يخلط في حديثه كما ذكره ابن الجوزي. فأين حجة الناظم في مثله؟
على أن الناظم نفسه خرّج في حادي الأرواح وفي هامشه أعلام الموقعين ( 2 ـ 97) عن الدارقطني من حديث أبي موسى: يبعث الله يوم القيامة منادياً بصوت يسمعه أولهم وآخرهم... الحديث. وهذا يعين أن الإسناد مجازي على تقدير ثبوت الحديثين.. فظهر بذلك أن الناظم متمسك في ذلك بالسراب)) [الرد على النونية: 63].
ويقول تقي الدين السبكي: ((.. اللفظ الذي في البخاري (فينادى بصوت) وهذا محتمل لأن تكون الدال مفتوحة والفعل لم يسمّ فاعله, وأن تكون مكسورة فيكون المنادي هو الله. فنقله عن البخاري نداء الله ليس بصحيح (قال ابن القيم: وأذكر حديثاً في صحيح محمد ذاك البخاري, فيه نداء الله يوم معادنا بالصوت) والعدالة في النقل أن ينقل المحتمل محتملاً. وإذا ثبت أن الدال مكسورة فلِمَ يقول إن الصوت منه؟ فقد يكون من بعض ملائكته أو من يشاء الله..)) [المصدر: 64].
.. هذا, وقد سبق نقل ما قاله ابن القيم بتأويل (القرب) في قوله تعالى {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وترجيحه القول بأن المراد قرب ملائكته منه, سواء سمى ذلك تأويلاً أم لم يسمّه.
وأمّا ما ذكره من حديث: أن الله تعالى كلّم موسى بصوت يشبه الصواعق, فهو حديث موضوع.. ذكره ابن الجوزي في الموضوعات.. وعلّق عليه بقوله: وليس به لبس بصحيح.. والفضل متروك. نقل ذلك عنه السيوطي في كتابه: (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1/ 12).
وقد ذكر القاضي الباقلاني البصري المتوفى سنة 403 في كتابه (الإنصاف) فيضاً من الأدلة على تنزيه الله عن الحرف والصوت.. ونقل من ذلك قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: ((إن الله كلّم موسى عليه السلام بلا جوارح ولا أدوات ولا حروف ولا شفة ولا لهوات, سبحانه عن تكيف الصفات)).
وقال في ص 91 من (الإنصاف): ((.. وأيضاً: فإن الحروف تحتاج إلى مخارج, فحرف الشفة غير حرف اللسان, وحرف الحلق غيرهما, فلو كان تعالى يحتاج في كلامه إلى الحروف لاحتاج إلى المخارج, وهو منزه عن جميع ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون. وأيضاً : فإن الحروف متناهية معدودة محدودة, وكلام الله تعالى قديم لا مفتتح لوجوده ولا نهاية لدوامه, كعلمه وقدرته ونحو ذلك من صفات ذاته, وقد أكّد تعالى ذلك بغاية التأكيد, وأن كلامه لا يدخله العد والحصر والحد بقوله تعالى {لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً}(الكهف/109).
وقال {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله}(لقمان/27) فأخبر تعالى في هاتين الآيتين أنه لا نهاية لكلامه, إذ كلّ ماله نهاية له بداية, وإنّما تتصور النهاية في حق من يتصوّر في حقه البداية)).
وقد ردّ الباقلاني على ما أورده المخالفون من الأحاديث, وأجاب بأجوبة عديدة.. منها قوله بأن حديث ابن أنيس قد روى فيه ما يدل على أن الصوت من غير الله بأمره... ثم قال: ((.. فصح أن النداء من غيره, لكن لما كان بأمره أضيف النداء إليه كما يقال: نادى الخليفة في بغداد بكذا وكذا. ويقال أمر الخليفة منادياً فنادى بأمره في بغداد بكذا وكذا. ولا فرق بين الموضعين. فإن كلّ عاقل يعلم أن الخليفة لم يباشر النداء بنفسه, لكن لما كان بأمره جاز أن يضيفه إلى نفسه وأن يضاف إليه وإن لم يكن هو المنادي بنفسه. ويصحح جميع ذلك القرآن قال الله {واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج})).
((ومن عجيب الأمر أن الجهال لا يجيزون أن يكون النداء صفة المخلوق, إذا كان رفيع القدر في الدنيا كالخليفة والأمير وينفون عنه ذلك, ثم يجوّزونه في حق ربّ العالمين.
جواب آخر: وهو أن كلّ ما أضيف إلى الله تعالى لا يجب أن يكون صفة له, فمن زعم هذا فقد كفر وأشرك لا محالة, لأن الخبر قد جاء بقول الله تعالى: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني, جعت فلم تطعمني, عطشت فلم تسقني, عريت فلم تكسني. فأضاف هذه الأشياء إليه في الخبر, ومن زعم أنه يجوع ويعطش ويمرض ويعرى فقد كفر وأشرك لا محالة. وكذلك قال تعالى {يوم ينفخ في الصور} على قراءة من قرأ بالنون والنافخ إسرافيل.. وقال تعالى {إن الذين يؤذون الله} فأضاف الأذية إليه. ومن زعم أن الأذية من صفته فقد كفر لا محالة)) [الإنصاف: 114].
وأما ما رواه ابن تيمية عن ابن مسعود: إذا تكلّم الله بالوحي سُمِعَ له صوت كجر السلسلة على الصفوان.. فإنّه مع وقفه يجاب عنه بأجوبة:
أوّّلها:.. أنه قد روى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان.. وفي رواية: سمع أهل السماء للسماء صلصلة..
ثانيهما:.. روى مسلم عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إذا تكلّم الله بالوحي أخذت السماوات منه رجفة شديدة من خوف الله تعالى, فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخرّوا سجّداً, وأول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام, فيتكلّم الله من وحيه بما أراد, فينتهي به جبريل عليه السلام على الملائكة كلّما مرّ بسماء سأل أهلها ماذا قال ربّنا؟ فيقول جبريل: الحق وهو العلي الكبير. فثبت أن ما سمعوا هو صوت رجفة السماوات لا كلام الله تعالى.. ولذا سألوا جبريل عليه السلام: ماذا قال ربّنا؟ فدلّ على أنهم لم يسمعوا كلامه.. لأنهم لو سمعوا كما سمع جبريل لفهموا كما فهم.
ثالثاً: فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان.. فالصوت هذا مضاف هنا إلى أجنحة الملائكة لا إلى كلام الله تعالى.
ومن جملة هذه الأجوبة يصير الخبر حجة على ابن تيمية لا حجة له(انظر: دراسات في منهاج السنةص139).
].
أيضاً قال ابن الوردي في (تتمة المختصر 2/363): ((استدعي الشيخ ـ يريد ابن تيمية ـ إلى مصر, وعقد له مجلس, واعتقل بما نسب إليه من التجسيم)).
وجاء في (تاريخ أبي الفداء/ حوادث سنة 705): ((وفيها استدعي تقي الدين أحمد بن تيمية من دمشق إلى مصر وعقد له مجلس وأمسك وأودع الاعتقال بسبب عقيدته فإنه كان يقول بالتجسيم)).
وعن اليافعي في (مرآة الجنان ج 4 ص 240) عند ذكره لحوادث سنة 705 وما جرى فيها لابن تيمية: ((وكان الذي ادعى به عليه ـ أي على ابن تيمية ـ بمصر أنه يقول أن الرحمن على العرش استوى حقيقة, وأنه يتكلم بحرف وصوت ثم نودي بدمشق وغيرها من كان على عقيدة ابن تيمية حلَّ ماله ودمه)).
وعلى أية حال, كلام ابن تيمية في التجسيم يقسم على أربعة أبعاد, وهي كما يلي:
1 . إسناد المكان والجهة إلى الله تعالى.
2 . زعمه أن الحوادث تقوم بالله سبحانه.
2. زعمه أن كلام الله تعالى بصوت وحرف.
4. كلامه في مسألة الجسم.
البعد الأول: قال ابن تيمية في (الرسائل التدمرية 42), وتحت عنوان: تنازع الناس في الجهة والتحيز: ((.. وقد علم أنَّ ما ثم موجود إلاّ الخالق والمخلوق, والخالق مباين للمخلوق سبحانه وتعالى, ليس في مخلوقاته شيء من ذاته, ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفي: أتريد بالجهة ما وراء العالم, فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات. ويقال لمن قال: الله في جهة: أتريد بذلك: أن الله فوق العالم, أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات, فإن أردت الأول فهو حق, وإن أردت الثاني فهو باطل, وكذلك لفظ التحيز .. إلى آخر كلامه)).
وجاء في كتاب (بيان تلبيس الجهمية ج 1 ص 111): ((والبارئ سبحانه وتعالى فوق العالم فوقية حقيقية ليست فوقية الرتبة, كما أن التقدم على الشيء قد يقال إنه بمجرد الرتبة كما يكون بالمكان مثل تقدم العالم على الجاهل وتقدم الإمام على المأموم فتقدم الله على العالم ليس بمجرد ذلك بل هو قبله حقيقة فكذلك العلو على العالم قد يقال إنه يكون بمجرد الرتبة كما يقال العالم فوق الجاهل, وعلو الله على العالم ليس بمجرد ذلك بل هو عالم عليه علواً حقيقياً وهو العلو المعروف والتقدم المعروف)).
قال الكوثري في تعليقه على هذا النص: ((.. فهل يشك عاقل أن ابن تيمية يريد بذلك الفوقية الحسية والعلو الحسي ـ تعالى الله عما يؤفكون ـ واستعمال العلو ومشتقاته في اللغة العربية بمعنى علو الشأن في غاية الشهرة رغم تقول المجسمة)) (الرد على النونية: 87).
ويقول ابن تيمية في كتاب (العرش): ((إن الله يجلس على الكرسي , وقد أخلى منه مكاناً يقعد فيه معه رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
قال الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 1/106): ((قال السبكي: وكتاب العرش من أقبح كتبه, ولما وقف عليه الشيخ أبو حيان ما زال يلعنه حتى مات, بعد أن كان يعظمه)).
وقد ذكر هذا الكتاب ـ أي كتاب العرش ـ صاحب (كشف الظنون) الذي جمع أسماء الكتب ومصنفيها, حيث قال: ((كتاب العرش وصفته.. لابن تيمية ذكر فيه أن الله تعالى يجلس على الكرسي وقد أخلي مكاناً يقعد معه فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذكره أبوحيان في النهر في قوله سبحانه وتعالى وسع كرسيّه السماوات: وقال في كتاب العرش لأحمد بن تيمية ما صورته بخطه)) .
وقفة قصيرة لبيان تناقضات ابن تيمية
وكيفما كان, فقد حكم ابن تيمية بكفر وضلالة من خالفه في رأيه المتقدم في الجهة والحيز حيث قال: ((.. وأما قولهم الذي نطلب منه أن يعتقده أن ينفي عن الله التحيز, فالجواب من وجوه, أحدها: أن هذا اللفظ ومعناه الذي أرادوه ليس هو في شيء من كتب الله المنزلة من عنده, ولا هو مأثور عن أحد من أنبياء الله ورسله ولا خاتم المرسلين ولا غيره, ولا هو أيضاً محفوظاً عن أحد من سلف الامة وأئمتها أصلاً, وإذا كان بهذه المثابة, وقد علم أن الله أكمل لهذه الأمة دينها, وأن الله بيّن لهذه الأمة ما تتقيه كما قال: ((اليوم أكملت لكم دينكم)) , وقال: ((وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتقون)), وأن النبي (صلى الله عليه وسلم) بيّن للأمة الإيمان الذي أمرهم الله به.. وكذلك سلف الأمة وأئمتها.. علم بمجموع هذين الأمرين: أن هذا ليس من دين الله, ولا من الإيمان, ولا من سبيل المؤمنين, ولا من طاعة الله ورسوله. وإذا كان كذلك فمن التزم اعتقاده فقد جعله من الإيمان والدين, وذلك تبديل للدين كما بدل مبتدعة اليهود والنصارى ومبتدعة هذه الأمة دين المرسلين.
(ويقول ابن تيمية عند بيانه للوجه الثاني): وليس في شيء من ذلك نفي الجهة والتحيز عن الله, ولا وصفه بما يستلزم لزوماً بيناً نفي ذلك, فكيف يصح مع كمال الدين وتمامه ومع كون الرسول قد بلغ البلاغ المبين, أن يكون هذا من الدين والإيمان ثم لا يذكره الله ولا رسوله قط ؟ وكيف يجوز أن يدعى الناس ويؤمرون باعتقاد في أصول الدين ليس له أصل عمن جاء بالدين.. هل هذا إلاّ صريح تبديل الدين..)) (الفتاوى 5 / 18 ـ 20).
فكما ترى أن ابن تيمية ينكر أشد الأنكار على من ينفي الجهة والتحيز عن الله تعالى, فيلزمه ـ على هذا ـ القول بإثبات الجهة والتحيز, فحيث نفى نفي الجهة لم يبق إلاّ الاثبات, وعلى هذا يمكن أن نقول إنه قال بثبوت الجهة والتحيز هنا باعتبار لازم كلامه, ولا سيما قد عد الخارجين على رأيه خارجين على دين الله, فنفاة الجهة والتحيز عنده قد بدلوا دين الله على زعمه, فلم يبق إلاّ أن يثبتهما هو ليحافظ على دين الله من التبديل!!
وقد وسم ابن تيمية من موضع آخر من فتاواه (ج 5 ص 2) الطالبين باعتقاد نفي الجهة والحيز عن الله تعالى بالأئمة المضلين, وأنهم يأمرون الناس بأن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
إلاّ أن ابن تيمية ناقض نفسه فيما بنى عليه هناك من حمل الألفاظ على ظواهرها حقيقة, ولم يثبت لله صفة المعية بمرادها الحقيقي, بل تهافت في ذلك وفسرها ـ كما قال ـ بما تدل عليه الحال في قوله تعالى ((لا تحزن إن الله معنا)) بمعية الاطلاع والتأييد والنصر, وهذا تناقض فاضح, وتحكم ظاهر في تفسير آيات الكتاب الكريم, وحكم على نفسه بنفسه ـ وحسب أقواله ـ بأنه مبتدع وضال قال في ((الرسالة الحموية الكبرى)) ص 156: ((ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار: لا تحزن إن الله معنا, كان هذا أيضاً حقاً على ظاهره, ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا: معية الاطلاع والتأييد والنصر)) (انتهى).
ولا ندري لم لم تسعف الحال ابن تيمية في صفة الفوقية هناك فينفي عن المولى سبحانه ما يقتضيه معناها الذي هو من لوازم الأجسام أو لوازم أعراض الأجسام, وهو حمل محال, ويحملها على ما يمكن حمله عقلاً وشرعاً كما فعل مع صفة المعية هنا.
قال الغزالي في (إلجام العوام: 9): (( .. إذا سمع لفظ الفوق في قوله تعالى (( يخافون ربّهم من فوقهم )) وفي قوله تعالى (( وهو القادر فوق عباده )) فليعلم أنّ الفوق اسم مشترك يطلق لمعنيين: أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل, يعني أن الأعلى من جانب رأس الأسفل, وقد يطلق الفوقية الرتبة, وبهذا المعنى يقال: الخليفة فوق السلطان, والسلطان فوق الوزير, وكما يقال العلم فوق العمل والصياغة فوق الدباغة.
(والأول) يستدعي جسماً ينسب إلى جسم.
(والثاني) لا يستدعيه.. فليعتقد المؤمن قطعاً أن الأول غير مراد, وأنه على الله تعالى محال, فإنه من لوازم الأجسام أو لوازم أعراض الأجسام)) (انتهى).
البعد الثاني: (وهو زعمه أن الحوادث تقوم بالله تعالى):
قال العلاّمة الحلي ـ الذي يرد عليه ابن تيمية في (منهاج السنّة) ـ : ((وأن أمره ونهيه وإخباره حادث, لاستحالة أمر المعدوم ونهيه وإخباره)).
فقال ابن تيمية: ((فيقال هذه مسألة كلام الله تعالى والناس فيها مضطربون..)) إلى أن قال: ((فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ, قلنا: نعم, وهذا قولنا الذي دلَّ عليه الشرع والعقل)).
وقال أيضاً: ((فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به ! قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسنّة تتضمن ذلك مع صريح العقل, وهو قول لازم لجميع الطوائف, ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزومه, ولفظ الحوادث مجمل.. فقد يراد به الأعراض والنقائص والله منزه عن ذلك, ولكن يقوم به ما شاءه ويقدر عليه من كلامه وأفعاله ونحو ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة )) [منهاج السنّة: 1/ 224].
وقد استدل لما ذهب إليه في (منهاج السنّة1/ 118 ـ 119) بما هذا ملخصه كما ذكر أحد أتباعه وهو بقوله: ((هل يجوز ابن تيمية قيام الحوادث بذاته تعالى؟ الجواب: إن ابن تيمية لا يرى من ذلك مانعاً, لا من جهة العقل ولا من جهة النقل, بل يرى أن العقل والنقل متظافران على وجوب قيام الأمور الاختيارية به تعالى, وأمّا تلك المقدمة القائلة: إن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث, فهي صحيحة إن أريد بها آحاد الحوادث وأفرادها المتعاقبة في الوجود, فإن لكل واحد منها مبدأ ونهاية, فما لم يخل منها فهو إمّا أن يكون معها أو بعدها, وعلى التقديرين يكون حادثاً, وأمّا إن أريد جنس الحوادث فهي باطلة, فإن الجنس يجوز أن يكون قديماً, إن كان كل فرد من أفراده حادثاً, حيث أنه لا يلزم من حدوث كل فرد حدوث الجملة, لأن حكم الجملة غير حكم الأفراد)).
إلاّ ان هذا الشيخ المدافع عن عقائد ابن تيمية والمؤيد لها, لم يطمئن لعقيدته هذه, وقال انها مبتنية على قاعدة يصعب تصورها, فعقّب بالقول: ((إن ابن تيمية قد بنى على هذه القاعدة (قدم الجنس وحدوث الأفراد) كثيراً من العقائد, وجعلها مفتاحاً لحل مشاكل كثيرة في علم الكلام, وهي قاعدة لا يطمئن إليها العقل كثيراً, فإن الجملة ليست شيئاً أكثر من الأفراد مجتمعه فإذا فرض أن كل فرد منها حادث لزم من ذلك حدوث الجملة قطعاً)).
وقال: ((فإن ابن تيمية بعد أن أورد المذاهب المختلفة أخذ في تقرير مذهبه الذي يدعي أنه مذهب السلف, ولكن عليه من المآخذ ما سبق أن أشرنا إليه من تجويز قيام الحوادث بذاته تعالى, وابتنائه على تلك القاعدة الفلسفية التي تقول بقدم الجنس مع حدوث أفراده, وهي قاعدة يصعب تصورها كما قلنا)) [ابن تيمية السلفي: 107, 131].
وهذه العقيدة قد تابع فيها ابن تيمية الكرامية, وهم من المجسمة!
قال الكوثري في (الرد على النونية), ص 16: ((اتفقت فرق المسلمين سوى الكرامية وصنوف المجسمة على أن الله سبحانه منزه عن أن تقوم به الحوادث وأن تحل به الحوادث, وأن يحل في شيء من الحوادث, بل ذلك مما علم من الدين بالضرورة)).
وقال تقي الدين السبكي: ((وأمّا الحشوية, فهي طائفة رذيلة جهال ينتسبون إلى أحمد, وأحمد مبرأ منهم, وسبب نسبتهم إليه أنه قام في دفع المعتزلة, وثبت في المحنة رضي الله عنه, ونقلت كليمات ما فهمها هؤلاء الجهال فاعتقدوا هذا الاعتقاد السيء, وصار المتأخر منهم يتبع المتقدم إلاّ من عصمه الله, وما زالوا من حين نبغوا مستذلين ليس لهم رأس ولا من يناظر ـ إلى أن يقول ـ ثم جاء في أواخر المائة السابعة رجل له فضل ذكاء واطلاع, ولم يجد شيخاً يهديه, وهو على مذهبهم وهو جسور متجرد لتقرير مذهبه, ويجد أموراً بعيدة فبجسارته يلتزمها, فقال بقيام الحوادث بذات الربّ سبحانه وتعالى, وأنّ الله سبحانه ما زال فاعلاً, وأن التسلسل ليس بمحال فيما مضى كما هو فيما سيأتي, وشق العصا وشوش عقائد المسلمين, وأغرى بينهم, ولم يقتصر ضرره على العقائد في علم الكلام حتى تعدى وقال: إن السفر لزيارة النبي (صلى الله عليه وسلم) معصية)) [السيف الصقيل: 15 ـ 17].
وعلى أية حال, فدعوى ابن تيمية قيام الحوادث بالله تعالى, معناه قيام المخلوق بذات الله تعالى, لأن الحادث مخلوق, ومعناه قيام الناقص بالكامل, وبعبارة أخرى: اتصاف الله الكامل بالناقص, وهذا خلف كونه كاملاً.
مع أن دليل ابن تيمية يحمل بطلانه معه, وقد اقترب من تقرير بطلانه الدكتور هراس بنفسه, وهو أحد أتباعه, إذ الجملة ليست شيئاً أكثر من الأفراد مجتمعة, فإذا تقرر أن كل فرد منها حادث لزم من ذلك حدوث الجملة قطعاً, فعلى هذا يستحيل وجود حوادث لا أول لها.
البعد الثالث: (زعمه أن كلام الله تعالى بصوت وحرف):
يقول ابن تيمية كما في (فتاويه الكبرى 5 / 121): ((.. وأن الله تعالى متكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح, وليس ذلك كأصوات العباد, لا صوت القارئ ولا غيره)).
قال: ((.. عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله: يا آدم, فيقول: لبيك وسعديك, فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار)) [المصدر السابق: 5 / 125] .
قال: ((.. ويذكر عن جابر بن عبد الله, عن عبد الله بن أنيس, سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك, أنا الديّان..)) [نفس المصدر
رد علماء السنة على قول ابن تيمية بالتجسيم والتشبيه :
المعروف عن بعض الحنابلة انهم من القائلين بالتجسيم، بمعنى أنّ لله تعالى يداً ووجهاً وعيناً وساقاً، وأنّه متربّع على العرش شأنه شأن الملوك والسلاطين، واستدلّوا على ذلك بآيات من القرآن الكريم، كقوله تعالى " يد الله فوق أيديهم " و " كلّ شيء هالك إلاّ وجهه " و " يوم يكشف عن ساق " و " الرحمن على العرش استوى " وغيرها من الآيات، وقالوا : ان اليد والوجه والساق والاستواء جاءت في القرآن على وجه الحقيقة في معانيها وليست مصروفة الى معانيها المجازية.
نعم يد الله ليست كيدنا، ووجهه ليس كوجهنا، وساقه ليس كساقنا، بدليل قوله تعالى : " ليس كمثله شيء ".
ولا يخفى عليك ان ابن تيميّة ومحمّد بن عبد الوهاب يدّعيان انهما من الحنابلة.
واقوال ابن تيميّة في التجسيم كثيرة جداً، وللوقوف على ذلك راجع مثلا كتابه ( الفتوى الحموية الكبرى) في مجموعة الفتاوى : ج5، كتاب الاسماء والصفات.
وان عقيدته في التجسيم كانت واحداً من أهمّ محاور الصراع الذي خاضه مع علماء عصره، فهي السبب الوحيد لما دار بينه وبين المالكيّة من فتن في دمشق، وهي السبب الوحيد لاستدعائه الى مصر ثم سجنه هناك، كما كانت سبباً في عدّة مجالس عقدت هنا وهناك لمناقشة أقواله.
ولم ينفرد المالكيّة في الرد عليه، بل كان هذا هو شأن الحنفية والشافعيّة أيضاً، وأمّا الحنبليّة فقد نصّوا على شذوذه عنهم.
قال الشيخ الكوثري الحنفي في وصف عقيدة ابن تيميّة في الصفات : إنّها تجسيمٌ صريح. ثمّ نقل مثل ذلك عن ابن حجر المكّي في كتابه ( شرح الشمائل ) ـ انظر : تعليقة الكوثري في ذيل ( الأسماء والصفات) للبيهقي : 301 ـ.
وللشافعيّة دورهم البارز في مواجهة هذه العقيدة، فقد صنّفوا في بيان أخطاء ابن تيميّة فيها كثيراً، وربّما يفعدّ من أهمّ تصانيفهم تلك ما كتبه شيخهم شهاب الدين ابن جَهبَل، المتوفّى سنة 733 هـ ويكتسب هذا التصنيف أهميّته لسببين :
أوّلهما : أنّ هذا الشيخ كان معاصراً لابن تيميّة، وقد كتب ردّه هذا في حياة ابن تيميّة موجّهاً إليه.
والثاني : أنّه ختمه بتحدّف صريح، قال فيه : " ونحن ننتظر ما يَرفدف من تمويههف وفساده، لنبيّن مدارج زيغه وعناده، ونجاهد في الله حقّ جهاده ". ثمّ لم يذكر لابن تيميّة جواباً عليه رغم أنّه قد وضع ردّاً على (الحمويّة الكبرى ) التي ألقاها الشيخ ابن تيميّة على المنبر في سنة 698 هـ.
وأمّا دفاعه عن التجسيم فهو دفاع المجسّمة الصفرحاء، فيقول ردّاً على القائلين بتنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء : إنّهم جعلوا عفمدتهم في تنزيه الربّ عن النقائص على نفي التجسيم، ومن سلك هذا المسلك لم يفنزّفه الله عن شيء من النقائص ألبتّة ـ التفسير الكبير 1 / 275، الفرقان بين الحقّ والباطل : 111، وانظر كلامه في " البعض " و " الكلّ " في ( الفتاوى الكبرى ) 6 : 413 ـ.
ثم طريق اثبات شيء على المتهم لا يتم بإقراره فقط ومن كتبه فإنّه قد لا يذكر ذلك صريحاً خوفاً من المسلمين، ولكن هناك طريقة اخرى وهي شهادة شهود عليه، فان هذا من اقوى ادلّة الاثبات، خاصة اذا كانوا كثيرين.
وقد شهد على ابن تيميّة الكثير منهم : ابن بطوطة في كتابه ( رحلة ابن بطوطة : 95 ) إذ يقول تحت عنوان : ( حكاية الفقيه ذي اللّفوثة ـ اللّفوثة بالضمّ : مَسّف جنون ـ ! ) : كان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقيّ الدين ابن تيميّة، كبير الشأم، يتكلّم في الفنون، إلاّ أنّ في عقله شيئاً ! وكان أهل دمشق يفعظّمونه أشدّ التعظيم ويعظهم على المنبر، وتكلّم بأمرف أنكره الفقهاء. .
قال : وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة وهو يعفظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جفملة كلامه أن قال : ( إنّ الله ينزفلف إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ) ونزل درجةً من المنبر !.
فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتّى سقطت عمامته وظهر على رأسه شاشيّة حرير، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عزّ الدين بن مسلم قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه، وعزّره بعد ذلك. .
ومقولة ابن تيميّة هذه ذكرها ابن حجر العسقلاني أيضاً في الدرر الكامنة ـ 1 / 154 ـ.
تلك صورةٌ عن عقيدته في الله تعالى. . فهو يجيز عليه تعالى الانتقال والتحوّل والنزول، وفي هذا التصوّر من التجسيم ما لا يخفى، فالذي ينتقل من مكان إلى مكان، وينزل ويصعد، فلابفدّ أنّه كان أوّلاً في مكان ثمّ انتقل إلى مكان آخر، فخلا منه المكان الأوّل، واحتواه المكان الثاني، والذي يحويه المكان لا يكون إلاّ محدوداً ! فتعالى الله عمّا يصفون
نذكر لك بعض أقوال ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب الدالة على ضلالهما وانحرافهما ومخالفتهما لجميع المسلمين، وإن أردت المزيد وافيناك به:
1- اعتقاد ابن تيمية قدم نوع الحوادث من الأفعال والمفاعيل واعتقاده بحوادث لا أول لها ، مما يستلزم قدم شيء غير الله ، وهو كفر .
راجع (درء تعارض العقل والنقل 1 / 240 و 276 و 375) و (شرح حديث النزول:158) و (شرح حديث عمروان بن حصين : 371) و (الردّ على أساس التقديس 1/599).
2- قول ابن تيمية بفناء النار، وهو مخالف لإجماع المسلمين.
ذكره ابن القيّم تلميذ ابن تيمية في كتابه (شفاء العليل : 431 ـ 451) وفي كتابه (حاوي الارواح إلى بلاد الأفراح : 253 ـ 277) وذكر فيهما ان القول بفناء النار هو قول استاذه ابن تيمية، وذكر الصفدي في (الوافي بالوفيات 7 / 26) ان لابن تيمية تصنيفا مستقلا في مسألة فناء النار.
3- قول ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب بالتجسيم، وهذا الرأي مشهور عنهما، وقد ذكراه في أكثر كتبهما وصرّحا به.
4- تكفير ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب المسلمين. راجع كتاب (فصل الخطاب : 28) لسليمان بن عبد الوهاب أخ محمد بن عبد الوهاب.
5- نسب محمد بن عبد الوهاب القول بنفي ذرية الإمام الحسن (عليه السلام) إلى الشيعة، وقال:
وهذا القول شائع فيهم وهم مجمعون عليه.
راجع (رسالة في الردّ على الرافضة : 29).
ولا يوجد ولا شيعي واحد ينفي ذريّة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ، بل كلهم يثبتونها .
6- انكار ابن تيمية وابن عبد الوهاب الزيارة والتبرك ، وخالفا في قولهما هذا رأي الاكثرية القاطبة للمذاهب الإسلامية.
وأهمّ شيء يجب أن تعرفه وتطلع عليه: ان كبار علماء المذاهب الاسلامية منذ أن أعلن ابن تيمية وابن عبد الوهاب عن آرائهما المنحرفة وقفوا أمام انحرافهما وكتبوا مئات الكتب في الردّ عليهما وعلى آرائهما المخالفة لاجماع المسلمين والمخالفة للكتاب والسنة الصريحة وكذبهما.
فمن أكاذيب ابن تيمية :
1- انكاره ان يكون ابن عباس تتلمذ على الإمام علي(عليه السلام) ( منهاج السنة 7 / 536)، وقد اثبت المناوي تتلمذ ابن عباس على الإمام (فيض القدير 4 / 357).
2- تكذيبه لحديث (علي مع الحق والحق مع علي)، وادعاؤه ان أحد لم يروه (منهاج السنة 4 / 238).
مع أن هذا الحديث رواه الترمذي في صحيحه والحاكم في المستدرك، والطبراني، والخطيب البغدادي، وابن عساكر ، و … .
3- انكاره قضية المؤاخاة بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام علي (عليه السلام) وبين المهاجرين بعضهم من بعض (منهاج السنة 4 / 32 ، 5 / 71 ، 7 / 117 و 279). والحال انك تجد حديث المؤاخاة في: (الترمذي 5 / 595 والطبقات لابن سعد 2 / 60، والمستدرك للحاكم 3 / 16، ومصابيح السنة 4 / 173 ، و … ). حتى ردّ ابن حجر على ابن تيمية في انكاره مسألة المؤاخاة في كتابه (فتح الباري 7 / 2179 وقال : هذا ردّ للنصّ بالقياس وإغفال عن حكمة المؤاخاة. كما وردّ عليه أيضا الزرقاني في (شرح المواهب اللدنية 1 / 273 ).
4- قول ابن تيمية حول حديث (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) قوله عن هذا الحديث: كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث. (منهاج السنة 7 / 55) .
مع أن هذا الحديث أخرجه أحمد بأسانيد صحيحة وأخرجه ابن أبي شيبة وابن راهويه وابن جرير والطبراني وأبو نعيم والحاكم والخطيب و … .
5- قول ابن تيمية حول حديث (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح) قوله : هذا لا يعرف له إسناد لا صحيح ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها (منهاج السنة 7 / 395).
والحال ان الحديث رواه : أحمد بن حنبل والبزار وأبو يعلى وابن جرير والنسائي والطبراني والدارقطني والحاكم و…
6- قول ابن تيمية عن حديث الطير : من المكذوبات الموضوعات (منهاج السنة 7 / 371).
والحال ان هذا الحديث يرويه : الحاكم وابن سعد وأحمد بن حنبل والترمذي والبزار والنسائي والبيهقي وابن حجر وابن عساكر وأبو حنيفة والطبراني و … .
وإن شئت المزيد من ذكر انحرافات ابن تيمية وابن عبد الوهاب ومخالفتهما في العقائد والأحكام لما أجمعت عليه الأمة الإسلامية ، فسنوافيك بمئات الموارد منها ، كلها مأخوذة من كتبهما.
وإن شئت ذكرنا لك اسماء المئات من كبار العلماء الرادّين عليهما
ناقض ابن تيمية ورده على نفسه, فإن التناقض هو أول مراتب الفساد كما يقول هو نفسه.
يقول ابن تيمية كما في فتاويه: (( (الوجه الرابع عشر) وأمّا قولهم: ولا يقول أن كلام الله حرف وصوت قائم به بل هو معنى قائم بذاته, فقد قلت في الجواب المختصر البديهي: ليس في كلامي هذا أيضاً, ولا قلته قط, بل قول القائل إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة, وقوله إنه معنى قائم به بدعة, لم يقل أحد من السلف لا هذا ولا هذا, وأنا ليس في كلامي شيء من البدع, بل في كلامي ما أجمع عليه السلف إن القرأن كلام الله غير مخلوق)) [الفتاوى الكبرى: 5/ 4].
ثم نتسآءل: هل الادعاء بأنَّ كلام الله بصوت وحرف ثم القول بعد ذلك لا كأصواتنا ولا كحروفنا.. هل هذا كاف في التنزيه ونفي التشبيه؟ لنترك ابن تيمية يجيب على هذا التساؤل ليكون حجة على نفسه.. قال: ((.. وأما في طرق الإثبات, فمعلوم أيضاً أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه, إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه, لجاز أن يوصف سبحانه من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه, وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه, وكما لو قال المفتري يأكل لا كأكل العباد ويشرب لا كشربهم, ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم, كما يقال يضحك لا كضحكهم ويفرح لا كفرحهم ويتكلم لا ككلامهم, ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم, كما قيل: له وجه لا كوجوههم, ويدان لا كأيديهم حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر وغير ذلك, مما يتعالى الله عزّ وجلّ عنه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً..)) [الرسالة التدمرية: 88].
إذن , التسليم بالاشتراك في المعنى العام وهو الصوت والحرف, ثم القول بأنّه لا كالأصوات ولا كالحروف.. هذا لا ينفي التشبيه وإن ادعى صاحبه ذلك.. لأن ما سلم به هو معنى من معاني الحدوث, فكأنّه يقول حادث لا كالحوادث, وهذا تناقض صريح.. باعتبار ما أقرَّ به ابن تيمية نفسه.
ثم نسأل ابن تيمية: هل هناك وجه لمخالفة صوته (تعالى الله عن ذلك) لأصواتنا؟.. هنا يجيب ابن تيمية.. يقول: ((.. إن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق, لأن صوت الله يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)) [شرح العقيدة الأصفهانية: 28].
فلا وجه إذاً للمخالفة.. غير أن صوته يسمع من قرب كما يسمع من بعد..
ولا ندري ماذا يكون موقف ابن تيمية فيما توصل إليه البشر من تقريب الأصوات حتى سمعت من بعد كما سمعت من قرب بوسائل الإعلام والاتصال الحديثة, هل كان يصر على رأيه بأن السماع من بعد كالسماع من قرب كاف في المخالفة للحوادث والتنزيه؟!
الرد على ابن تيمية في هذا الجانب
نقل الكوثري عن أبي بكر ابن العربي في العارضة ما يلي: ((.. لا يحلّ لمسلم أن يعتقد أن كلام الله صوت وحرف, لا من طريق العقل ولا من طريق الشرع, فأمّا طريق العقل فلأن الصوت والحرف مخلوقان محصوران, وكلام الله يجل عن ذلك كله. وأمّا طريق الشرع فلأنّه لم يرد في كلام الله صوت وحرف من طريق صحيحة.. ولهذا لم نجد طريقاً صحيحاً لحديث ابن أنيس وابن مسعود)).
.. وأنت تعلم مبلغ استبحار ابن العربي في الحديث في نظرهم, وجزء (الصوت) للحافظ أبي الحسن المقدسي لا يدع أيّ متمسك في الروايات في هذا الصدد لهؤلاء الزائغين, ومن رأى نصوص فتاوى العزّ بن عبد السلام وابن الحاجب الحصيري والعلم السخاوي ومن قبلهم ومن بعدهم من أهل التحقيق ـ كما هو مدون في نجم المهتدي ودفع الشبه وغيرهما ، يعلم مبلغ الخطورة في دعوى أن كلام الله حرف وصوت. ولا تصح نسبة الصوت إلى الله تعالى إلاّ نسبة ملك وخلق. لكن هؤلاء رغم تضافر البراهين ضدّهم, ودثور الآثار التي يريدون البناء عليها, يعاندون الحق, ويظنّون أن كلام الله من قبيل كلام البشر الذي هو كيفية إهتزازية تحصل للهواء من ضغطه باللهاة واللسان, تعالى الله عن ذلك. ويدور أمرهم بين التشبيه بالصنم أو التشبيه بابن آدم.. أولئك كالأنعام بل هم أضل.
يقول الكوثري: ((.. بل من قال إن كلام معبوده حرف وصوت قائمان به فهو الذي نحت عجلاً جسداً له خوار, يحمل أشياعه على تعبّده)) [الرد على النونية: 172].
ويقول: ((إن كان يريد حديث جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس: ويحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب..)) الحديث.. فهو حديث ضعيف علّقه البخاري بقوله: ويُذْكَر عن جابر, دلالة على أنه ليس من شروطه, ومداره عن عبد الله بن محمد بن عقيل, وهو ضعيف باتفاق, وقد انفرد عنه القاسم بن عبد الواحد وعنه قالوا: إنّه ممّن لا يحتجّ به. وللحافظ أبي الحسن المقدسي جزء في تبيين وجوه الضعف في الحديث المذكور.
وأمّا إن كان يريد حديث أبي سعيد الخدري: يقول يا آدم يقول لبيك وسعديك فينادى بصوت إن الله يأمرك.. الحديث. فلفظ (ينادى) فيه على صيغة المفعول جزماً بدليل (إن الله يأمرك) ولو كان على صيغة الفاعل لكان إني آمرك, كما لا يخفى. على أن لفظ (بصوت) انفرد به حفص بن غياث, وخالفه وكيع وجرير وغيرهما فلم يذكروا الصوت, وسئل أحمد عن حفص هذا فقال: كان يخلط في حديثه كما ذكره ابن الجوزي. فأين حجة الناظم في مثله؟
على أن الناظم نفسه خرّج في حادي الأرواح وفي هامشه أعلام الموقعين ( 2 ـ 97) عن الدارقطني من حديث أبي موسى: يبعث الله يوم القيامة منادياً بصوت يسمعه أولهم وآخرهم... الحديث. وهذا يعين أن الإسناد مجازي على تقدير ثبوت الحديثين.. فظهر بذلك أن الناظم متمسك في ذلك بالسراب)) [الرد على النونية: 63].
ويقول تقي الدين السبكي: ((.. اللفظ الذي في البخاري (فينادى بصوت) وهذا محتمل لأن تكون الدال مفتوحة والفعل لم يسمّ فاعله, وأن تكون مكسورة فيكون المنادي هو الله. فنقله عن البخاري نداء الله ليس بصحيح (قال ابن القيم: وأذكر حديثاً في صحيح محمد ذاك البخاري, فيه نداء الله يوم معادنا بالصوت) والعدالة في النقل أن ينقل المحتمل محتملاً. وإذا ثبت أن الدال مكسورة فلِمَ يقول إن الصوت منه؟ فقد يكون من بعض ملائكته أو من يشاء الله..)) [المصدر: 64].
.. هذا, وقد سبق نقل ما قاله ابن القيم بتأويل (القرب) في قوله تعالى {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وترجيحه القول بأن المراد قرب ملائكته منه, سواء سمى ذلك تأويلاً أم لم يسمّه.
وأمّا ما ذكره من حديث: أن الله تعالى كلّم موسى بصوت يشبه الصواعق, فهو حديث موضوع.. ذكره ابن الجوزي في الموضوعات.. وعلّق عليه بقوله: وليس به لبس بصحيح.. والفضل متروك. نقل ذلك عنه السيوطي في كتابه: (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1/ 12).
وقد ذكر القاضي الباقلاني البصري المتوفى سنة 403 في كتابه (الإنصاف) فيضاً من الأدلة على تنزيه الله عن الحرف والصوت.. ونقل من ذلك قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: ((إن الله كلّم موسى عليه السلام بلا جوارح ولا أدوات ولا حروف ولا شفة ولا لهوات, سبحانه عن تكيف الصفات)).
وقال في ص 91 من (الإنصاف): ((.. وأيضاً: فإن الحروف تحتاج إلى مخارج, فحرف الشفة غير حرف اللسان, وحرف الحلق غيرهما, فلو كان تعالى يحتاج في كلامه إلى الحروف لاحتاج إلى المخارج, وهو منزه عن جميع ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون. وأيضاً : فإن الحروف متناهية معدودة محدودة, وكلام الله تعالى قديم لا مفتتح لوجوده ولا نهاية لدوامه, كعلمه وقدرته ونحو ذلك من صفات ذاته, وقد أكّد تعالى ذلك بغاية التأكيد, وأن كلامه لا يدخله العد والحصر والحد بقوله تعالى {لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً}(الكهف/109).
وقال {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله}(لقمان/27) فأخبر تعالى في هاتين الآيتين أنه لا نهاية لكلامه, إذ كلّ ماله نهاية له بداية, وإنّما تتصور النهاية في حق من يتصوّر في حقه البداية)).
وقد ردّ الباقلاني على ما أورده المخالفون من الأحاديث, وأجاب بأجوبة عديدة.. منها قوله بأن حديث ابن أنيس قد روى فيه ما يدل على أن الصوت من غير الله بأمره... ثم قال: ((.. فصح أن النداء من غيره, لكن لما كان بأمره أضيف النداء إليه كما يقال: نادى الخليفة في بغداد بكذا وكذا. ويقال أمر الخليفة منادياً فنادى بأمره في بغداد بكذا وكذا. ولا فرق بين الموضعين. فإن كلّ عاقل يعلم أن الخليفة لم يباشر النداء بنفسه, لكن لما كان بأمره جاز أن يضيفه إلى نفسه وأن يضاف إليه وإن لم يكن هو المنادي بنفسه. ويصحح جميع ذلك القرآن قال الله {واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج})).
((ومن عجيب الأمر أن الجهال لا يجيزون أن يكون النداء صفة المخلوق, إذا كان رفيع القدر في الدنيا كالخليفة والأمير وينفون عنه ذلك, ثم يجوّزونه في حق ربّ العالمين.
جواب آخر: وهو أن كلّ ما أضيف إلى الله تعالى لا يجب أن يكون صفة له, فمن زعم هذا فقد كفر وأشرك لا محالة, لأن الخبر قد جاء بقول الله تعالى: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني, جعت فلم تطعمني, عطشت فلم تسقني, عريت فلم تكسني. فأضاف هذه الأشياء إليه في الخبر, ومن زعم أنه يجوع ويعطش ويمرض ويعرى فقد كفر وأشرك لا محالة. وكذلك قال تعالى {يوم ينفخ في الصور} على قراءة من قرأ بالنون والنافخ إسرافيل.. وقال تعالى {إن الذين يؤذون الله} فأضاف الأذية إليه. ومن زعم أن الأذية من صفته فقد كفر لا محالة)) [الإنصاف: 114].
وأما ما رواه ابن تيمية عن ابن مسعود: إذا تكلّم الله بالوحي سُمِعَ له صوت كجر السلسلة على الصفوان.. فإنّه مع وقفه يجاب عنه بأجوبة:
أوّّلها:.. أنه قد روى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان.. وفي رواية: سمع أهل السماء للسماء صلصلة..
ثانيهما:.. روى مسلم عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إذا تكلّم الله بالوحي أخذت السماوات منه رجفة شديدة من خوف الله تعالى, فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخرّوا سجّداً, وأول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام, فيتكلّم الله من وحيه بما أراد, فينتهي به جبريل عليه السلام على الملائكة كلّما مرّ بسماء سأل أهلها ماذا قال ربّنا؟ فيقول جبريل: الحق وهو العلي الكبير. فثبت أن ما سمعوا هو صوت رجفة السماوات لا كلام الله تعالى.. ولذا سألوا جبريل عليه السلام: ماذا قال ربّنا؟ فدلّ على أنهم لم يسمعوا كلامه.. لأنهم لو سمعوا كما سمع جبريل لفهموا كما فهم.
ثالثاً: فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان.. فالصوت هذا مضاف هنا إلى أجنحة الملائكة لا إلى كلام الله تعالى.
ومن جملة هذه الأجوبة يصير الخبر حجة على ابن تيمية لا حجة له(انظر: دراسات في منهاج السنةص139).
ناقض ابن تيمية ورده على نفسه, فإن التناقض هو أول مراتب الفساد كما يقول هو نفسه.
يقول ابن تيمية كما في فتاويه: (( (الوجه الرابع عشر) وأمّا قولهم: ولا يقول أن كلام الله حرف وصوت قائم به بل هو معنى قائم بذاته, فقد قلت في الجواب المختصر البديهي: ليس في كلامي هذا أيضاً, ولا قلته قط, بل قول القائل إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة, وقوله إنه معنى قائم به بدعة, لم يقل أحد من السلف لا هذا ولا هذا, وأنا ليس في كلامي شيء من البدع, بل في كلامي ما أجمع عليه السلف إن القرأن كلام الله غير مخلوق)) [الفتاوى الكبرى: 5/ 4].
ثم نتسآءل: هل الادعاء بأنَّ كلام الله بصوت وحرف ثم القول بعد ذلك لا كأصواتنا ولا كحروفنا.. هل هذا كاف في التنزيه ونفي التشبيه؟ لنترك ابن تيمية يجيب على هذا التساؤل ليكون حجة على نفسه.. قال: ((.. وأما في طرق الإثبات, فمعلوم أيضاً أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه, إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه, لجاز أن يوصف سبحانه من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه, وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه, وكما لو قال المفتري يأكل لا كأكل العباد ويشرب لا كشربهم, ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم, كما يقال يضحك لا كضحكهم ويفرح لا كفرحهم ويتكلم لا ككلامهم, ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم, كما قيل: له وجه لا كوجوههم, ويدان لا كأيديهم حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر وغير ذلك, مما يتعالى الله عزّ وجلّ عنه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً..)) [الرسالة التدمرية: 88].
إذن , التسليم بالاشتراك في المعنى العام وهو الصوت والحرف, ثم القول بأنّه لا كالأصوات ولا كالحروف.. هذا لا ينفي التشبيه وإن ادعى صاحبه ذلك.. لأن ما سلم به هو معنى من معاني الحدوث, فكأنّه يقول حادث لا كالحوادث, وهذا تناقض صريح.. باعتبار ما أقرَّ به ابن تيمية نفسه.
ثم نسأل ابن تيمية: هل هناك وجه لمخالفة صوته (تعالى الله عن ذلك) لأصواتنا؟.. هنا يجيب ابن تيمية.. يقول: ((.. إن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق, لأن صوت الله يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)) [شرح العقيدة الأصفهانية: 28].
فلا وجه إذاً للمخالفة.. غير أن صوته يسمع من قرب كما يسمع من بعد..
ولا ندري ماذا يكون موقف ابن تيمية فيما توصل إليه البشر من تقريب الأصوات حتى سمعت من بعد كما سمعت من قرب بوسائل الإعلام والاتصال الحديثة, هل كان يصر على رأيه بأن السماع من بعد كالسماع من قرب كاف في المخالفة للحوادث والتنزيه؟!
الرد على ابن تيمية في هذا الجانب
نقل الكوثري عن أبي بكر ابن العربي في العارضة ما يلي: ((.. لا يحلّ لمسلم أن يعتقد أن كلام الله صوت وحرف, لا من طريق العقل ولا من طريق الشرع, فأمّا طريق العقل فلأن الصوت والحرف مخلوقان محصوران, وكلام الله يجل عن ذلك كله. وأمّا طريق الشرع فلأنّه لم يرد في كلام الله صوت وحرف من طريق صحيحة.. ولهذا لم نجد طريقاً صحيحاً لحديث ابن أنيس وابن مسعود)).
.. وأنت تعلم مبلغ استبحار ابن العربي في الحديث في نظرهم, وجزء (الصوت) للحافظ أبي الحسن المقدسي لا يدع أيّ متمسك في الروايات في هذا الصدد لهؤلاء الزائغين, ومن رأى نصوص فتاوى العزّ بن عبد السلام وابن الحاجب الحصيري والعلم السخاوي ومن قبلهم ومن بعدهم من أهل التحقيق ـ كما هو مدون في نجم المهتدي ودفع الشبه وغيرهما ، يعلم مبلغ الخطورة في دعوى أن كلام الله حرف وصوت. ولا تصح نسبة الصوت إلى الله تعالى إلاّ نسبة ملك وخلق. لكن هؤلاء رغم تضافر البراهين ضدّهم, ودثور الآثار التي يريدون البناء عليها, يعاندون الحق, ويظنّون أن كلام الله من قبيل كلام البشر الذي هو كيفية إهتزازية تحصل للهواء من ضغطه باللهاة واللسان, تعالى الله عن ذلك. ويدور أمرهم بين التشبيه بالصنم أو التشبيه بابن آدم.. أولئك كالأنعام بل هم أضل.
يقول الكوثري: ((.. بل من قال إن كلام معبوده حرف وصوت قائمان به فهو الذي نحت عجلاً جسداً له خوار, يحمل أشياعه على تعبّده)) [الرد على النونية: 172].
ويقول: ((إن كان يريد حديث جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس: ويحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب..)) الحديث.. فهو حديث ضعيف علّقه البخاري بقوله: ويُذْكَر عن جابر, دلالة على أنه ليس من شروطه, ومداره عن عبد الله بن محمد بن عقيل, وهو ضعيف باتفاق, وقد انفرد عنه القاسم بن عبد الواحد وعنه قالوا: إنّه ممّن لا يحتجّ به. وللحافظ أبي الحسن المقدسي جزء في تبيين وجوه الضعف في الحديث المذكور.
وأمّا إن كان يريد حديث أبي سعيد الخدري: يقول يا آدم يقول لبيك وسعديك فينادى بصوت إن الله يأمرك.. الحديث. فلفظ (ينادى) فيه على صيغة المفعول جزماً بدليل (إن الله يأمرك) ولو كان على صيغة الفاعل لكان إني آمرك, كما لا يخفى. على أن لفظ (بصوت) انفرد به حفص بن غياث, وخالفه وكيع وجرير وغيرهما فلم يذكروا الصوت, وسئل أحمد عن حفص هذا فقال: كان يخلط في حديثه كما ذكره ابن الجوزي. فأين حجة الناظم في مثله؟
على أن الناظم نفسه خرّج في حادي الأرواح وفي هامشه أعلام الموقعين ( 2 ـ 97) عن الدارقطني من حديث أبي موسى: يبعث الله يوم القيامة منادياً بصوت يسمعه أولهم وآخرهم... الحديث. وهذا يعين أن الإسناد مجازي على تقدير ثبوت الحديثين.. فظهر بذلك أن الناظم متمسك في ذلك بالسراب)) [الرد على النونية: 63].
ويقول تقي الدين السبكي: ((.. اللفظ الذي في البخاري (فينادى بصوت) وهذا محتمل لأن تكون الدال مفتوحة والفعل لم يسمّ فاعله, وأن تكون مكسورة فيكون المنادي هو الله. فنقله عن البخاري نداء الله ليس بصحيح (قال ابن القيم: وأذكر حديثاً في صحيح محمد ذاك البخاري, فيه نداء الله يوم معادنا بالصوت) والعدالة في النقل أن ينقل المحتمل محتملاً. وإذا ثبت أن الدال مكسورة فلِمَ يقول إن الصوت منه؟ فقد يكون من بعض ملائكته أو من يشاء الله..)) [المصدر: 64].
.. هذا, وقد سبق نقل ما قاله ابن القيم بتأويل (القرب) في قوله تعالى {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وترجيحه القول بأن المراد قرب ملائكته منه, سواء سمى ذلك تأويلاً أم لم يسمّه.
وأمّا ما ذكره من حديث: أن الله تعالى كلّم موسى بصوت يشبه الصواعق, فهو حديث موضوع.. ذكره ابن الجوزي في الموضوعات.. وعلّق عليه بقوله: وليس به لبس بصحيح.. والفضل متروك. نقل ذلك عنه السيوطي في كتابه: (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1/ 12).
وقد ذكر القاضي الباقلاني البصري المتوفى سنة 403 في كتابه (الإنصاف) فيضاً من الأدلة على تنزيه الله عن الحرف والصوت.. ونقل من ذلك قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: ((إن الله كلّم موسى عليه السلام بلا جوارح ولا أدوات ولا حروف ولا شفة ولا لهوات, سبحانه عن تكيف الصفات)).
وقال في ص 91 من (الإنصاف): ((.. وأيضاً: فإن الحروف تحتاج إلى مخارج, فحرف الشفة غير حرف اللسان, وحرف الحلق غيرهما, فلو كان تعالى يحتاج في كلامه إلى الحروف لاحتاج إلى المخارج, وهو منزه عن جميع ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون. وأيضاً : فإن الحروف متناهية معدودة محدودة, وكلام الله تعالى قديم لا مفتتح لوجوده ولا نهاية لدوامه, كعلمه وقدرته ونحو ذلك من صفات ذاته, وقد أكّد تعالى ذلك بغاية التأكيد, وأن كلامه لا يدخله العد والحصر والحد بقوله تعالى {لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً}(الكهف/109).
وقال {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله}(لقمان/27) فأخبر تعالى في هاتين الآيتين أنه لا نهاية لكلامه, إذ كلّ ماله نهاية له بداية, وإنّما تتصور النهاية في حق من يتصوّر في حقه البداية)).
وقد ردّ الباقلاني على ما أورده المخالفون من الأحاديث, وأجاب بأجوبة عديدة.. منها قوله بأن حديث ابن أنيس قد روى فيه ما يدل على أن الصوت من غير الله بأمره... ثم قال: ((.. فصح أن النداء من غيره, لكن لما كان بأمره أضيف النداء إليه كما يقال: نادى الخليفة في بغداد بكذا وكذا. ويقال أمر الخليفة منادياً فنادى بأمره في بغداد بكذا وكذا. ولا فرق بين الموضعين. فإن كلّ عاقل يعلم أن الخليفة لم يباشر النداء بنفسه, لكن لما كان بأمره جاز أن يضيفه إلى نفسه وأن يضاف إليه وإن لم يكن هو المنادي بنفسه. ويصحح جميع ذلك القرآن قال الله {واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج})).
((ومن عجيب الأمر أن الجهال لا يجيزون أن يكون النداء صفة المخلوق, إذا كان رفيع القدر في الدنيا كالخليفة والأمير وينفون عنه ذلك, ثم يجوّزونه في حق ربّ العالمين.
جواب آخر: وهو أن كلّ ما أضيف إلى الله تعالى لا يجب أن يكون صفة له, فمن زعم هذا فقد كفر وأشرك لا محالة, لأن الخبر قد جاء بقول الله تعالى: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني, جعت فلم تطعمني, عطشت فلم تسقني, عريت فلم تكسني. فأضاف هذه الأشياء إليه في الخبر, ومن زعم أنه يجوع ويعطش ويمرض ويعرى فقد كفر وأشرك لا محالة. وكذلك قال تعالى {يوم ينفخ في الصور} على قراءة من قرأ بالنون والنافخ إسرافيل.. وقال تعالى {إن الذين يؤذون الله} فأضاف الأذية إليه. ومن زعم أن الأذية من صفته فقد كفر لا محالة)) [الإنصاف: 114].
وأما ما رواه ابن تيمية عن ابن مسعود: إذا تكلّم الله بالوحي سُمِعَ له صوت كجر السلسلة على الصفوان.. فإنّه مع وقفه يجاب عنه بأجوبة:
أوّّلها:.. أنه قد روى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان.. وفي رواية: سمع أهل السماء للسماء صلصلة..
ثانيهما:.. روى مسلم عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إذا تكلّم الله بالوحي أخذت السماوات منه رجفة شديدة من خوف الله تعالى, فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخرّوا سجّداً, وأول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام, فيتكلّم الله من وحيه بما أراد, فينتهي به جبريل عليه السلام على الملائكة كلّما مرّ بسماء سأل أهلها ماذا قال ربّنا؟ فيقول جبريل: الحق وهو العلي الكبير. فثبت أن ما سمعوا هو صوت رجفة السماوات لا كلام الله تعالى.. ولذا سألوا جبريل عليه السلام: ماذا قال ربّنا؟ فدلّ على أنهم لم يسمعوا كلامه.. لأنهم لو سمعوا كما سمع جبريل لفهموا كما فهم.
ثالثاً: فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان.. فالصوت هذا مضاف هنا إلى أجنحة الملائكة لا إلى كلام الله تعالى.
ومن جملة هذه الأجوبة يصير الخبر حجة على ابن تيمية لا حجة له(انظر: دراسات في منهاج السنةص139).
].
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق